محمد نور الدين
الثلاثاء 30 حزيران 2026
تشهد علاقات تركيا مع إسرائيل تصعيداً متزايداً، تَمثّل آخر فصوله بإقرار حكومة العدو الاعتراف بمجازر الأتراك العثمانيين ضدّ الأرمن، على أنها «إبادة جماعية». ومع تصعيد أنقرة انتقاداتها للاعتداءات الإسرائيلية على كلّ من سوريا ولبنان، ووقوفها ضدّ الحرب على إيران، ومواصلتها إدانة حرب الإبادة على قطاع غزة، أقرّت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع، اقتراح وزير الخارجية، جدعون ساعر، الاعتراف بـ«الإبادة الجماعية» التي ارتُكبت عام 1915 ضدّ الأرمن، على أيدي حكومة «الاتحاد والترقي» العثمانية. وزعم القرار أن «الاعتراف بالإبادة واجب أخلاقي وتاريخي»، مديناً «المحاولات الممنهجة لإنكار الإبادة أو التقليل منها أو تحريف الحقائق التاريخية»، ومنتقداً «تلاعب تركيا بكتابة التاريخ». أمّا ساعر نفسه، فقال إن «جريمة الإبادة مروعة، وأسفرت عن مقتل مليون ونصف المليون إنساناً أرمنياً وتدمير تراث ثقافي وتاريخي عريق»، مدّعياً أن الاعتراف هو «واجب اليهود الأخلاقي».
وكانت ردّة فعل تركيا الأولى، بياناً لوزارة الخارجية تدين فيه قرار الحكومة الإسرائيلية، وتصفه بأنه «محاولة من إسرائيل للتغطية على إبادتها عشرات آلاف الفلسطينيين في غزة». وعدّ البيان، ذلك القرار، «محاولة خبيثة تعكس مأزق رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي صدرت في حقّه مذكرة توقيف على خلفية تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم المرتكَبة في غزة ضدّ الفلسطينيين». وأكد أن «تركيا ستعمل بحزم لإنهاء سياسات إسرائيل التوسعية والمزعزعة للاستقرار في المنطقة، ومحاسبة حكومة نتنياهو على الجرائم التي ارتكبتها ضدّ الفلسطينيين». وأشار رئيس دائرة الاتصالات في رئاسة الجمهورية، برهان الدين دوران، بدوره، إلى أن إسرائيل التي تُحاكَم أمام «محكمة العدل الدولية» في لاهاي «لا تملك ذرّة واحدة من الحق لتنصّب نفسها حارسة للأخلاق والضمير».
وكان أطلق الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، قبل ساعات من قرار الحكومة الإسرائيلية، مواقف تنتقد إسرائيل بشدة. وبعدما اعتبر، قبل أسبوعين، أن «إسرائيل تهديد للأمن القومي التركي، وأن أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي (الإسكندرون) بل من بيروت ودمشق وحلب»، قال السبت الماضي إن «الأيديولوجية الصهيونية القائمة على الإبادة الجماعية والاحتلال والتوسّع، تطاول كلّ مكونات الشعب التركي».
يأتي القرار الإسرائيلي في خضمّ تقدّم كبير في محاولات تطبيع العلاقات بين أرمينيا وكل من تركيا وآذربيجان
وأضاف أن «المواجهة مع الصهيونية لا تنطلق من دوافع شخصية أو حزبية، بل من أجل ضمان بقاء الدولة التركية وشعبها بأسره». وتابع أن «إسرائيل مصنع لإنتاج الفتنة وإراقة الدماء». كما نبّه إردوغان، في لقاء حزبي أول من أمس في مدينة صقاريا، إلى أن «الإبادة في غزة مستمرة، ولكن لا يراودنّ أحداً شكّ في أن مرتكبيها سيحاسَبون»، مكرّراً كلمة «محاسبة» ثلاث مرات، مؤكداً أن «تركيا لن تهمل ذلك».
وكان نتنياهو اعترف، في حوار تلفزيوني في تموز من العام الماضي، بصورة شخصية، بالإبادة الأرمنية، وذلك بعدما ظلّت إسرائيل تقارب هذه المسألة بحذر شديد، رافضةً الاعتراف بها من منطلق حصر الظهور بمظهر الضحية في اليهود. كما إن تل أبيب حرصت دوماً على عدم إغضاب تركيا التي كانت أوّل دولة مسلمة اعترفت بالدولة اليهودية عام 1949، ونسجت معها أوثق العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية والاقتصادية؛ وهو ما لم يتغيّر مع وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة عام 2002. كذلك، لم تكن إسرائيل تريد إزعاج آذربيجان، شريكة تركيا، التي ترتبط معها بعلاقات تعاون وثيقة.
وإذ تزيد الخطوة الإسرائيلية، بحسب صحيفة «قرار»، من توتّر العلاقات بين تركيا وإسرائيل، المتوتّرة أصلاً على خلفية الموقف من حرب غزة، فهي تأتي في خضمّ تقدّم كبير في محاولات تطبيع العلاقات بين أرمينيا من جهة، وكلّ من تركيا وآذربيجان من جهة أخرى. ولا يُعرف ما إن كان قرار تل أبيب سيترك أثراً سلبياً على هذه المحاولات، لكن الأرمن يدركون جيداً أن إسرائيل، التي تفوّقت على كل الآخرين في ارتكاب الإبادة في غزة وضدّ الشعب الفلسطيني، هي آخر من يحق له أن يصدر أحكاماً لها علاقة بالعدالة الدولية والإنسانية. مع ذلك، فإن الاعتراف الإسرائيلي قد يدفع آذربيجان إلى تشديد موقفها تجاه أرمينيا، والإصرار على حذف كلّ ما يمتّ بصلة إلى الإبادة من الدستور والقوانين الأرمنية، وذلك وفق الصحيفة نفسها، التي أشارت أيضاً إلى أن القرار سوف يضيف عنواناً آخر إلى التوترات في جنوب القوقاز.
ومع أن تركيا لم تُثر ردود أفعال قاسية تجاه الدول التي كانت اعترفت سابقاً بالإبادة الأرمنية، فإن الأنظار ستتجه إلى ما ستكون عليه ردة الفعل التركية تجاه إسرائيل، في ظلّ مطالبات من الرأي العام بقطع كامل للعلاقات الدبلوماسية وحدّ من العلاقات الاقتصادية مع الأخيرة، فضلاً عن وقف تصدير النفط الآذربيجاني عبر الأراضي التركية إليها.